![]() |
| أحمد ملا |
بين السطور… بدأت القصة
أنا أحمد ملا، خريج بكالوريوس تقنية المعلومات، وأعمل في مجال صيانة الأنظمة والأجهزة التشبيهية. وعلى الرغم من أن مسيرتي المهنية بدأت في هذا المجال، فإن شغفي الحقيقي قادني إلى طريق مختلف تمامًا؛ طريق حفظ الذاكرة السمعية والبصرية.
في بعض الأحيان، لا يقودنا تخصصنا إلى شغفنا، بل يقودنا الشغف إلى طريق لم نكن نتوقعه.
بدأت رحلتي مع الأرشيفات عام 2015، عندما أتيحت لي فرصة الاطلاع على أرشيف عائلي محفوظ داخل صناديق مغلقة منذ سنوات طويلة. كانت الصور، والأشرطة، والأفلام المنزلية تحمل ذكريات لا تُقدّر بثمن، لكن في الوقت نفسه كانت تواجه خطرًا حقيقيًا بسبب الحرارة، والرطوبة، وتقادم الوسائط، واحتمالية ضياعها إلى الأبد.
في تلك اللحظة أدركت أن هذه المواد ليست مجرد مقتنيات قديمة، بل ذاكرة عائلة كاملة، وإذا فُقدت فلن يمكن استعادتها مرة أخرى.
لم تكن لدي حينها الخبرة الكافية أو المعدات الاحترافية، لكنني قررت أن أتخذ أول خطوة. بدأت برقمنة ذلك الأرشيف بالإمكانات البسيطة المتوفرة لدي. ورغم أن النتائج كانت متواضعة من الناحية التقنية، فإنها كانت بداية رحلة هدفت إلى حماية الذكريات قبل أن تفقد.
ومنذ ذلك اليوم، تحول الفضول إلى شغف، والشغف إلى رحلة تعلم لم تتوقف حتى اليوم.
كان هناك سؤال واحد يرافقني في كل خطوة:
كيف يمكن أن نحافظ على هذا المحتوى لمئة عام قادمة بأفضل جودة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، بدأت أقرأ كل ما يتعلق بحفظ الأرشيفات السمعية والبصرية، وأبحث عن أفضل الممارسات العالمية في الرقمنة والحفظ طويل الأمد. لم أكتفِ بالمصادر المتاحة، بل انضممت إلى عدد من المنظمات والجمعيات الدولية المتخصصة في الأرشفة والرقمنة، وحرصت على متابعة الأبحاث، وقراءة الوثائق الفنية، ودراسة المعايير الدولية التي تعتمدها المؤسسات الأرشيفية حول العالم.
كما أنني تنقلت إلى عدد من الدول لزيارة المتاحف، والمختبرات، والمعارض المتخصصة، والتعرف على الأجهزة والتقنيات المستخدمة في حفظ التراث السمعي والبصري. ففي ذلك الوقت، كان الوصول إلى هذا التخصص أو التعرف على العاملين فيه أمرًا بالغ الصعوبة بسبب ندرته، ولذلك كان السفر بالنسبة لي وسيلة للتعلم واكتساب الخبرة من مصادرها.
ومع استمرار رحلتي في التعلم، حرصت على تطوير معرفتي من خلال برامج تدريبية متخصصة، وحصلت على شهادة في أساسيات حفظ ورقمنة المواد السمعية والبصرية من مؤسسة متخصصة في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي عززت فهمي للمبادئ العلمية للرقمنة، والحفظ طويل الأمد، وأفضل الممارسات المهنية المعتمدة عالميًا. وكانت هذه الشهادة محطة مهمة في رحلتي، لكنها أكدت لي أن التعلم في هذا المجال لا يتوقف أبدًا.
وفي أواخر عام 2017 بدأت تقديم خدمات رقمنة الأرشيفات بشكل احترافي. كانت البداية تقتصر على أربعة أنواع فقط من الوسائط، ثم توسعت الخدمات عامًا بعد عام حتى أصبحت تشمل أكثر من عشرين نوعًا من الأشرطة والوسائط السمعية والبصرية المختلفة.
وخلال هذه الرحلة أسست "أستوديو أحمد"، واضعًا الجودة، والدقة، والخصوصية، وسلامة المواد الأرشيفية في مقدمة أولوياتي.
لكنني كنت مؤمنًا بأن جودة الرقمنة لا تعتمد على أجهزة الالتقاط وحدها، بل تبدأ من أجهزة التشغيل نفسها. فالمشغل الذي لم تتم صيانته بالشكل الصحيح قد يتسبب في إتلاف شريط عمره عشرات السنين خلال دقائق معدودة. ولهذا لم يكن استثماري مقتصرًا على شراء المعدات، بل شمل أيضًا اقتناء أجهزة التشغيل التاريخية، وصيانتها، والمحافظة عليها، لأنني أؤمن بأن الحفاظ على هذه الأجهزة لا يقل أهمية عن الحفاظ على الوسائط نفسها.
عندما أصبحت الخبرة التقنية نقطة قوة
قد يبدو للوهلة الأولى أن عملي في مجال صيانة الأنظمة والأجهزة التشبيهية بعيد عن عالم الأرشيفات، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
فمن خلال عملي اكتسبت خبرة في الصيانة الوقائية، وتشخيص الأعطال، وتحليل أسبابها، وإدارة دورة حياة الأجهزة، وإعداد الإجراءات الفنية التي تضمن استمرارية عملها بكفاءة.
ومع مرور الوقت أدركت أن هذه الخبرة يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في مجال الأرشفة.
أصبحت أنظر إلى الأجهزة و المشغلات على أنها جزء من الأرشيف نفسه، وليست مجرد أدوات لنقل المحتوى. فالمحافظة على هذه الأجهزة، وصيانتها، ومعايرتها، واختبارها بشكل دوري، تساهم في حماية الوسائط الأصلية، وتضمن استخراج أفضل جودة ممكنة دون تعريضها لمخاطر إضافية.
ومن هذا المنطلق، طورت منصة متخصصة لإدارة عمليات صيانة أجهزة الرقمنة، تهدف إلى تنظيم أعمال الصيانة الوقائية، وتوثيق الأعطال، ومتابعة الحالة الفنية لكل جهاز، بما يساهم في زيادة موثوقية المختبر، وإطالة العمر التشغيلي للمعدات، والمحافظة على جودة عمليات الرقمنة واستمراريتها.
بناء معمل الرقمنة… من الصفر
من أكثر التجارب التي أعتز بها أنني لم أشترِ معمل رقمنة جاهزًا، بل بنيته بنفسي خطوة بخطوة.
بدأت بالبحث عن الأجهزة المناسبة، والمقارنة بين النماذج المختلفة، وقراءة المستندات الفنية، ودراسة الوثائق الخاصة بكل جهاز قبل اتخاذ قرار شرائه.
وبعد اقتناء الأجهزة، كنت أجري اختبارات القبول، وأفحص حالتها الفنية، وأقوم بصيانتها عند الحاجة، ثم أعمل على تركيبها، وربطها مع بقية مكونات المعمل، واختيار أنظمة التشغيل المناسبة، وتثبيت البرامج، وضبط الإعدادات، واختبار سلسلة الرقمنة كاملة حتى أصل إلى أفضل أداء ممكن.
كانت هذه الرحلة بالنسبة لي مدرسة حقيقية. تعلمت خلالها تصميم بيئات الرقمنة الاحترافية، وإدارة الاشارات، وفهم توافق الأجهزة، وتحليل المشكلات الفنية، وقراءة الوثائق الهندسية، واكتساب خبرة عملية لا يمكن الحصول عليها من الكتب وحدها.
وكانت خلفيتي التقنية أكبر عامل ساعدني في هذه الرحلة، إذ مكنتني من فهم الأنظمة بصورة أعمق، وتحليل الأعطال، واتخاذ قرارات مبنية على أسس هندسية، وليس على التجربة والخطأ.
واليوم أنظر إلى معمل الرقمنة على أنه منظومة متكاملة صُممت بعناية للحفاظ على جودة المواد الأرشيفية، وليس مجرد غرفة تحتوي على أجهزة.
أكثر من مجرد خدمة
ومع عملي في هذا المجال، لاحظت وجود فجوة واضحة بين الخدمات المقدمة وبين المعايير الدولية.
فقد رأيت ممارسات تؤدي إلى فقدان جزء من جودة المادة الأصلية، وأحيانًا إلى إتلافها، نتيجة استخدام أجهزة غير مناسبة، أو إعدادات خاطئة، أو غياب المعرفة الفنية.
وفي المقابل، كان كثير من أصحاب الأرشيفات يفتقرون إلى المعرفة التي تمكنهم من تقييم جودة الخدمة أو اختيار الجهة المناسبة لحفظ تاريخهم.
عندها أدركت أن مسؤوليتي لا تقتصر على تقديم خدمة رقمنة احترافية، بل تشمل أيضًا نشر المعرفة، ورفع مستوى الوعي، ومشاركة الخبرات التي تساعد على تحسين هذا المجال في العالم العربي.
لماذا هذه المدونة؟
جاءت فكرة هذه المدونة لتكون مساحة أشارك من خلالها ما تعلمته خلال السنوات الماضية.
ستجد هنا مقالات عن حفظ الأرشيفات السمعية والبصرية، ورقمنة مختلف الوسائط، وترميم الصور والفيديو والصوت، والمعايير الدولية، وتصميم معامل الرقمنة، وصيانة الأجهزة، وإدارة المشاريع، وأحدث التقنيات المستخدمة في هذا المجال.
كما سأشارك التجارب التي مررت بها، والدروس التي تعلمتها، والأخطاء التي واجهتها، لأنني أؤمن بأن مشاركة المعرفة تختصر على الآخرين سنوات من البحث والتجربة.
أتمنى أن تصبح هذه المدونة مرجعًا عربيًا موثوقًا لكل من يهتم بحفظ الذاكرة السمعية والبصرية، سواء كان فردًا يرغب في الحفاظ على تاريخ عائلته، أو مؤسسة تسعى إلى حماية أرشيفها، أو متخصصًا يبحث عن المعرفة والخبرة.
رسالتي
رسالتي هي المساهمة في نشر ثقافة حفظ الأرشيفات، ورفع مستوى الوعي بأهمية الذاكرة السمعية والبصرية، ومشاركة المعرفة التي تساعد على تطبيق أفضل الممارسات العالمية في الحفظ والرقمنة.
وأؤمن بأن كل صورة، وكل شريط، وكل تسجيل قديم، ليس مجرد وسيط، بل شاهد على قصة، وذاكرة، وجزء من تاريخ إنسان أو عائلة أو مؤسسة أو وطن.
فإذا استطعنا أن نحافظ على هذه الذاكرة اليوم، فإننا لا نحفظ الماضي فحسب، بل نمنح الأجيال القادمة فرصة لفهمه، والتعلم منه، والارتباط به.
هذه هي الرسالة التي بدأت من أجلها رحلتي، وهي الرسالة التي ما زلت أعمل من أجلها كل يوم.
